حاوره: البروفيسور عبدالله البنا
بصوته الإبداعي وأفكاره التي تتجاوز المألوف، استطاع الكاتب عبد النور مشاط أن يترك بصمة واضحة في الساحة الأدبية والإعلامية، بعد أن حصد المرتبة الرابعة في جائزة الميكروفون الذهبي لعام 2024، ليؤكد أن الموهبة الحقيقية لا تعرف حدوداً. في هذا الحوار الخاص، يحدثنا عن رحلته مع الكتابة، وأهم المحطات في مسيرته، وكيف يرى مستقبل الأدب في ظل التحولات الكبيرة التي يشهدها العالم.
في البداية.. من هو عبد النور مشاط بعيداً عن الأضواء؟
أولاً، سعيد جداً بهذا الحوار، ومسرور.
عبد النور مشاط شاب جزائري يحاول أن يقدم الشيء الجميل، اختار الكتابة ليقول الكثير، ورأى في مجالات الأدب والصوت فسحة للإبداع والتحليق عالياً.
شاب جزائري، ابن الأحياء الشعبية في مدينة بئر الريان شمال ولاية غرداية (دولة الجزائر)، أمتلك في جعبتي اثنين وعشرين عاماً من المحاولات المتكررة كي أقول من أنا؟
عبد النور نص عابر، ومجموعة تجارب على شكل إنسان.
كيف كانت بدايتك في عالم الكتابة والإبداع؟
كنت قد لاحظت ملامح الفرحة في وجه من درسوني العربية في مراحل الدراسة الأولى، أي الابتدائية، عندما كنت أحرر نصوصاً تشبهني آنذاك.. تلك الملامح لم تعبر هكذا، وإنما جاءت لتثبت أن بداخلي طفلاً يحاول أن يقول الكثير في نصوص صغيرة مثل صغر سنه.. تلك كانت البدايات الأولى، إلى أن أدركت أن هناك شيئاً اسمه القراءة، شيء يشبه الينابيع التي لا تنضب، ترتوي منه ذواتنا الإبداعية كي تجد لنفسها القدرة على الكتابة.
واصلت الكتابة، هذا الفعل المقدس بالنسبة لي لا يكاد يفارقني أبداً ولا يتركني للحظة، وأحاول أن أعطيه حقه، والقراءة أيضاً التي تشكل ماهيتي الإبداعية ترافقني وأرافقها دوماً، ولا يكاد الواحد منا يترك الآخر، وأجدني دائم التفتيش عني فيها.
تلك كانت بدايتي، وكنت أخبئ نصوصي الصغيرة التي تشبهني، وأفرح بها كما يفرح أي طفل صغير بأشيائه المهمة.
حصولك على جائزة الميكروفون الذهبي – المرتبة الرابعة سنة 2024.. ماذا يمثل لك هذا الإنجاز؟
الجائزة تأتي لتذكر الإنسان أنه على قيد الإبداع.
صيف 2024 أخبرني الأحبة أنني تأهلت إلى نهائيات المسابقة الوطنية للمنشط المبدع تحت شعار الميكروفون الذهبي، التي نُظمت من طرف وزارة الشباب والرياضة آنذاك. وكنت قد رميت بنفسي إلى هذه المسابقة وورطت نفسي فيها، ولولا هذا الاندفاع لما وجدتني على هذا الحال وهذه الرتبة التي أنا عليها.
حصدت الجائزة وفرحت حينها، وفرح الجميع لفرحي بالرغم من كون مجال التنشيط (المجال الإعلامي) بعيداً عن دائرة اهتماماتي الخاصة جداً، وكنت لا أعيره اهتماماً بقدر ما أهتم بالأدب. لكن جاءت هذه المسابقة كي تذكرني أنني متحدث جيد أمام الجماهير.
يمثل لي هذا الإنجاز الحافز الجيد الذي يدفعني إلى أن أُدخل التنشيط ضمن دائرة اهتماماتي الخاصة، وألا أهمل هذه المنحة والهبة. والشيء الجميل الذي أستحضره كلما تذكرت هذا الإنجاز هو تمثيلي الجيد للمنطقة التي أنتمي لها.. منطقة تعلمت فيها الكثير.. لذلك تستحق هذا التتويج والفرح.
برأيك، ما السر وراء نجاحك في هذه المسابقة المرموقة؟
أرى أن إخلاص العمل لله عز وجل هو السر وراء هذا الفوز، ثم إن العطاء والتضحيات الكثيرة تفتح للإنسان الآفاق، فمن يشارك غيره ما يملك من إمكانات ميزه الله بها فهذا نجاح من نوع آخر في اختبار رباني.. كيف للإنسان أن ينجح دون أن يمهد لنفسه الطريق نحو النجاح؟ ثم يأتي الانضباط والاهتمام الجيد بالتحضير.. فكانت نتائج هذا التحضير المستمر حاسمة، أسعدتني كثيراً عندما أدركت أنه بإمكاني أخيراً أن أعتلي منصة التتويج، ثم يأتي الموضوع الجيد الذي يشارك به من يشارك في هذه المسابقة.. لا أظن أن هناك معايير أهم من الموضوع والإتقان الجيد للتقنيات. فكان الموضوع حينها مشبعاً بالوطنية، جاء ليقول إن هذا الوطن يفديه شبابه ويقف شامخاً انطلاقاً من ذاكرته العظيمة المليئة بالتضحيات.
يجب على المنشط أن يهتم بموضوعات التنشيط، وأن يلتزم بالقواعد والقوانين، وأن يدرك تمام الإدراك أن النجاح لا يأتي هكذا عبثاً، فلولا ذلك لما كان الفوز والنجاح.
وأرى أن هذه المسابقة وأمثالها من المسابقات ما هي إلا تجربة تصنع الإنسان ويتعلم منها ما بمقدوره التعلم.
هل تعتبر الجائزة نقطة تحول في مسيرتك أم مجرد محطة من محطات النجاح؟
الجائزة مهمة جداً في مسيرتي وقد أضافت عليها الكثير، بالرغم من ذلك تبقى محطة من محطات النجاح وقد تركت في نفسي أثراً جميلاً.
الشيء الجميل في كل هذا أن الكتابة والتنشيط اجتمعا كي تُنصر الكلمة في الأخير، وكان ذلك هدفي من الأول: أن أنصر الكلمة وأنتصر للعربية.
ما التحديات التي واجهتك في مشوارك الأدبي والإعلامي؟
أظن أن التحدي الوحيد الذي واجهته ويشترك معي فيه كل من يعيش في المناطق المترامية الأطراف أو التي تفتقر للمؤسسات الداعمة للمواهب، فلا بد للإنسان أن يتابع موهبته إلى أن تكبر، كالطفل الصغير الذي يحتاج للرعاية والعناية إلى أن يكبر.. هذا هو التحدي الوحيد.
لكن ما يجب على الشاب أن يتفاداه هو كثرة الشكوى من انعدام الإمكانيات، وألا يضيع وقته في ذلك.. الشيء الأهم هو أن يبحث الكاتب أو المنشط أو المسرحي أو المنشد أو الناشط الثقافي عن منفذ يهرب منه من ويلات الجغرافيا الظالمة، وأن يضع لنفسه برنامجاً محكماً يوصله إلى ما يريد.
التحديات تأتي لتصنع منا الإنسان الذي نريد أن نكون عليه.. أنا ممتن للتحديات، لولاها ما كنت لأحصد جائزة أو أكتب نصاً أو أقول كلمة تُسمع هنا وهناك.
صنعتنا التحديات، وضبطت لي الإحداثيات، وأرتني الطريق الصحيح السليم الموصل إلى كل شيء.
المجد للتحديات في البدايات، والمجد لمن يعشق التحديات.. كي يعبرها وصولاً إلى المجد.
ما رأيك في الساحة الأدبية اليوم؟ وهل ترى أن الجوائز تعكس القيمة الحقيقية للإبداع؟
أنا متابع جيد للساحة الأدبية في الجزائر في الآونة الأخيرة، هناك شباب يكتبون نصوصاً جيدة، وهناك الكثير من الأشياء الجميلة، لا بد للناشط داخل هذه الساحة أن ينظر إلى الجانب المشرق منها.. هناك الكثير ممن يهتم بالمشاريع الأدبية القائمة سواء كانت نصوصاً تكتب أو نشاطات تهتم بالقراءة والكتابة. هناك جيل مهتم بشكل كبير بالجديد في الساحة الأدبية.. شباب يتواجدون في الجلسات الأدبية بكل شغف ويصنعون الجميل.. شباب متعطش للقراءة ومهتم بها بشكل كبير، وهذا ما يبحث عنه الكاتب الآن.. يبحث عن قارئ حقيقي. هناك أيضاً اندفاع نحو النشر في الساحة الأدبية العربية.
إذن، المتابع يجد أن هناك تطوراً جيداً وحركية ممتازة، ونحن في الأسابيع القليلة القادمة نستقبل ضيفنا الذي يزور الجزائر كل عام: الصالون الدولي للكتاب، وسنرى الكثير من الأعمال التي تتواجد في رفوف دور النشر، وسنرى القارئ الجزائري والعربي والكثير من النصوص الجيدة. ولا يخفى عليكم أن هذا الصالون يستقبل ما يقارب أربع ملايين نسمة في كل طبعة، وهذا رقم كبير وإحصائية مذهلة. أتمنى أن يضاف هذا الرقم في إحصائيات القراء والمشتريات من هذا الحدث الدولي.
وإن تحدثنا عن الساحة الأدبية العربية، هناك اشتغال جيد على النص الروائي والقصصي والشعري، ونحن نسمع ونرى دائماً أسماء جديدة تحصد ألقاباً وجوائز هنا وهناك من مختلف أنحاء الوطن العربي، أي أن هناك حركية أدبية ثقافية جيدة.
أما الجوائز فلا بد منها.. هناك الكثير من الأسماء، لولا الجائزة لما سمعنا بهم أبداً.. الجائزة تصنع للكاتب اسماً وتعتبر، كما ذكرت سالفاً، وسيلة للتحفيز المادي والمعنوي وتدفع الكاتب لينجز الكثير من الأعمال سواء كانت سردية أم شعرية.
من هم الكتاب أو الشخصيات الذين ألهموك في مسيرتك؟
أنا أقرأ للجميع.. ومنفتح على الجميع.. أستمع للآخر وأقرأ له وأهتم به.. هذا الاهتمام جعلني أتعرف على الكثير من الأسماء التي تكتب بشكل كبير وتترك أثراً جميلاً.
لذلك لا توجد شخصية معينة بحد ذاتها ألهمتني أو حذوت حذوها، وإنما مشروع القراءة المستمرة يطلعك على عالم الكتابة الكبير بكل أسمائه التي سطع نجمها هنا وهناك.
أما في المجال الإعلامي (التنشيط) فأحاول جاهداً أن أعطي هذا المجال حقه دون أن أظلمه لأنه يستحق مني الكثير.
هل تفكر في إصدار كتب أو مشاريع جديدة قريباً؟
أعمل على مشروع قصصي أحاول أن أتمكن منه قبل أن يتمكن مني، وهو يأخذ مني الوقت والجهد الكثيرين، وأحاول داخل ورشة الكتابة أن أستعمل كل ما أملك من أدوات لغوية وسردية لأكمل هذا المشروع. يشبه عملية النحت، كأن تنحت تمثالاً ثم يأتي عليه اعوجاج وعدم استقامة فتعيد نحته من جديد. اللغة أداة حادة للنحت، تساعدني كثيراً على نحت هذا التمثال السردي لكنها في كثير من الأحيان تكون السبب في إعادة بناء هذا التمثال ونحته. لذلك اللغة مهمة ويجب أن يحذر الكاتب في استعمالها في بداية كل مشروع سردي، وهي العنصر الأهم الذي يشكل النص ويجمع كل التقنيات والأساليب في قالب اللغة التي تعكس تمكن الكاتب منها.
ما الرسالة التي توجهها للشباب الطموح في مجالي الكتابة والإعلام؟
الكتابة بابٌ يحتاج طارقه للكثير من القراءة كي يفتح.
والتنشيط (الميدان الإعلامي) يحتاج بشكل كبير إلى التدريب المتواصل والمداومة عليه في البدايات كي يضبط المنشط بوصلته نحو التميز في هذه الميادين الشاسعة الواسعة الممتدة.
في الأخير.. القراءة أهم شيء.. اقرأ واصنع عالمك بنفسك، وحلق في سمواته معلناً عن ذاتك المبدعة.
محبتي الدائمة، وشكراً جزيلاً على هذا الحوار أيها الأفاضل.. ممتن بشدة وشكور وسعيد ومسرور.
#عبد_النور_مشاط #الإبداع #الكتابة #الأدب_العربي #الإعلام #الحوار #التنشيط #القراءة #الكاتب_الجزائري #غرداية #الشباب_المبدع #مسابقة_الميكروفون_الذهبي #النجاح #الطموح #المبدعون #الثقافة_العربية #الصالون_الدولي_للكتاب #الأدب #اللغة_العربية #المواهب_الشابة




